وهكذا ، ومع رجل الوحدة الوطنية سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد رحمه الله ، أصبحت دار الفتوى ، ومنذ العام 1975 تحديداً ، نقطة ارتكاز في تكوين «الحالة الإسلامية » الموحدة في لبنان والسقف الوطني للبنان كله في وقت كاد أن يصبح كل شيء في لبنان مفتتاً ومقسماً ، ومن هذا المقام الوطني الكبير دافع حسن خالد عن سيادة لبنان وعروبته ، عن وحدته واستقلاله في وجه أعداء لبنان الذين أفرزهم العدو الصهيوني، وطالب وبقوة بضرورة المساواة والمشاركة والتوازن السياسي بين جميع اللبنانيين للحفاظ على لبنان وطناً يتمتع فيه الجميع بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم . لقد حمل سماحته في قلبه وعقله هموم المسلمين واللبنانيين ودافع عنها وناضل من أجلها ولم يبدل تبديلاً في قوله كلمة الحق من أجل أن يحقق للمسلمين واللبنانيين ما يتطلعون إليه من مساواة وعدالة وإخاء . لقد كان ضمير الأمة وقلب الوطن ورمز وحدة هذه الأمة وهذا الوطن ، لقد جعل من دار الفتوى رمزاً لكل لبنان فحينما بدأ التفتت الذي ينذر بالتقسيم كانت دار الفتوى تقف قوية بحسن خالد ضد التفتيت والتقسيم والتشرذم المذهبي . هذه الحالة الموحدة والتوحيدية أرهبت أعداء لبنان فحكموا عليه بالإعدام ، ونفذوا حكمهم في 16 أيار لتمرير مؤامراتهم ضد الوطن والمواطن . لقد قضى في سبيل مبادئه التي كان في طليعتها العمل من أجل النهوض بواقع المسلمين في لبنان والاستنهاض بالواقع الوطني عموماً . مشدداً على الإصلاح السياسي مدخلاً نحو بقاء لبنان وبدون هذا الإصلاح وبدون هذا التوازن وبدون الإرادة الوطنية المتوازية : « لا نستطيع أن نبني وطناً ». كان مفتي المطالب الوطنية في العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية حيث أصر دائماً على أن يكون كل اللبنانيين متساوين في الحقوق كما في الواجبات ابتداءً من المواطنية العادية حتى أعلى درجات المسؤولية السياسية » . ومن هنا كان اغتياله محاولة مكشوفة لاغتيال نهجه في الإصلاح السياسي والاجتماعي ولدوره الديني . ومحاولة لاغتيال دور دار الفتوى الكبير والذي بقي قوياً متماسكاً في وجه هذه الحرب القذرة ، وهو الذي وصف هذا الدور قائلاً : « إن الجانب السياسي لدار الفتوى يتمثل بمواقف مفتي الجمهورية العامة التي تقتضيها الظروف وما اجتماعات دار الفتوى خلال الأحداث وحتى اليوم إلا الدليل على دورها في التعبير عن الإرادة الإسلامية الوطنية التي حرصت دوماً على وحدة لبنان العربي ، والمساواة التامة بين بنيه . لذلك صادفنا في جهادنا هذا الذي نرجو أن يكون مقبولاً عند الله العراقيل من داخل الصف الإسلامي ومن خارجه إلا أننا بصمودنا وإصرارنا استطعنا بعون الله أن نذلل كل هذه الصعوبات والعراقيل ». وقال :« نحن نرى من خلال التجربة التاريخية القاسية التي عاناها لبنان أن هناك تداخلاً بين الدين والسياسة مما يصبح معه للسياسي دور ديني مطالب به ولا يمكن التخلي عنه ، ولعالم الدين دور سياسي مطالب به أيضاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخلى عنه ». هكذا لعب سماحته هذا الدور الوطني الكبير فكان رجل التوازنات الوطنية ومفتي الإصلاح السياسي ونقطة الارتكاز في أي لقاء وطني وفي أي اجتماع داخل وخارج لبنان يبحث في القضية اللبنانية من قمم عرمون في ( العامين 1975 و 1976 ) إلى اجتماعات دار الفتوى ( 1983 و 1984 وما بعدها) إلى اجتماعات الكويت (شباط 1989) استمر حسن خالد الرقم اللبناني الداخلي الأهم الذي يصعب تجاوزه لتمرير أي حل على حساب الإصلاح السياسي والاجتماعي الذي استشهد في سبيله ، في سبيل « أن يبقى لبنان سيداً وعزيزاً وقوياً ،وأن يبقى للبنانيين تعاونهم وإخاءهم ». وكان سماحته طالب ومنذ اندلاع الحرب القذرة في العام 1975 ، بضرورة الإصلاح السياسي للحفاظ على الوطن من الانفجار . مشدداً في أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة على السير في طريق «الحوار البناء بعيداً عن الاقتتال" وكان شعاره في ذلك قول رب العالمين تعالى « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » . وقد أشاد رئيس الموفد البابوي المونسنيور " أرشفيك ماريوبريني" الذي زار سماحته في 2/4/1976 بهذا النهج الإصلاحي قائلاً :" نعتبر أن طريق سماحتكم هو الطريق السليم (…) فالناس يجب أن يتفاوضوا لا أن يتقاتلوا ، وأنا كغريب ليس لي الحق في أن أبدي رأياً معيناً في واقع لبنان ، لكني أقول أن التغيير يجب أن يجري عن طريق الحوار ، الذي هو طريق سماحتكم». والحقيقة ، أن سماحته في دفاعه عن الإصلاح السياسي ، وضع المبادئ العامة لهذا الإصلاح والتي لخصها في مطلبين أساسيين : أولاً ، المساواة بين المسلمين والمسيحيين مساواة تامة في الحقوق كما في الواجبات بعيداً عن أي تمييز طائفي . ثانياً ، عروبة لبنان بشكل يتجلى في جميع المجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والالتزام العربي العام .
|